الأسبوع العربيمجلة الأديب العربي

فيضُ الوفاءِ

​ فيضُ الوفاءِ

بقلم الكاتبة/نجوي رضوان
(نجاح رضوان)

​لَو أَنَّ في قَلبِكِ الطَّاهِرِ مَقامًا لِلوَفَاءِ يَبلُغُ أقصَى الغَايَاتِ، وَيَحتَضِنُ كُلَّ مَعانِي الصِّدقِ وَالثَّبَاتِ، لَمَا استَطَاعَتْ صُروفُ الدَّهرِ أَن تَغزُوَ مَنزِلَتَنَا، وَلَمَا تَمَكَّنَتْ تَقَلُّبَاتُ الأَيَّامِ وَتَنَاوُبُ اللَّيَالِي أَن تُحْدِثَ فُرقَةً بَينَ رُوحَيْنِ ائتَلَفَتَا عَلى مِيثَاقِ الحُبِّ الخَالِدِ. لَقَد مَنَحتِنِي بِكَرَمِ نَفسِكِ عُمُرًا مَديدًا مِنَ العِشقِ الصَّافِي وَالهَنَاءِ المُتَجَدِّدِ، كَمَا هِيَ سُنَّةُ المُحِبِّينَ الصَّادِقِينَ، فَمِثلَمَا أَنتِ أَعطَيتِ، أَنَا أَيضًا قَد سَبَقتُ لِأَمنَحَكِ أَجمَلَ صِفَاتِي وَأَخلَصَ خِصَالِي؛ فَفِي الحُبِّ عَطَاءٌ مُتَبَادَلٌ لا يَنضَبُ.

​فِي كُلِّ لَيلٍ يَرخِي سُدُولَهُ، يَتَجَدَّدُ لَدَيَّ الشَّوقُ الكَامِنُ، وَيَأخُذُنِي نَجِيبُ الهَوَى إِلَى عَالَمِ ذِكرَاكِ العَطِرَةِ، حَيثُ لا شَيءَ يَشغَلُ بَالِي سِوَاكِ. فَالقَلبُ، وَهُوَ مَقرُّ الأَسرَارِ وَمَخزَنُ المَشَاعِرِ، يَظَلُّ فِي حَضرَةِ ذِكرَاكِ الوَارِفَةِ مُستَأنِسًا بِهَا، سَالِيًا لِجُرُوحِهِ وَأَحزَانِهِ. فَأَنتِ وَحدَكِ النَّعِيمُ المُشتَهَى وَالرَّغبَةُ القُصوَى الَّتِي أَتُوقُ إِلَيهَا دَومًا، وَمُنتَهَى أُمنِيَاتِي الَّتِي لا تَزُولُ؛ إِذْ أَنَّ الرُّوحَ فِي جِوَارِكِ وَقُربِكِ الوَدِيعِ تَنسَى كُلَّ أَلَمٍ وَمَرارَةٍ، وَتَتَنَاسَى وَحشَةَ اللَّيَالِي المُظلِمَةِ الَّتِي مَرَّتْ، لِتَعيشَ فِي فَردَوسِ وِصَالِكِ.

​أَنتِ بِالنِّسبَةِ لِي مَثَلُ الشُّروقِ الَّذِي يُضِيءُ سَمَاءَ حَيَاتِي، وَبِوُجُودِكِ يُصبِحُ كُلُّ صَبَاحٍ مَولِدًا جَدِيدًا لِلبَهجَةِ وَالضِّيَاءِ. أَمَّا غِيَابُكِ فَهُوَ لَيلٌ كَاحِلٌ يَلفُّ الكَونَ بِسَوَادِهِ، وَيُغَرِّقُ الرُّوحَ فِي ظَلامٍ حَالِكٍ لا يَعقُبُهُ نُورٌ، فَتَتَوَقَّفُ الحَيَاةُ وَيَذبُلُ الوُجدَانُ. إِنَّنِي أُعلِنُهَا لَكِ صَرَاحَةً: إِنِّي أَرُومُ أَن تَظَلِّي لِي دَائِمًا، سَكَنًا وَمَأوَىً وَمَوئِلاً، حَتَّى نِفَادِ الأَجلِ. فَالقَلبُ الَّذِي اِمتَلَأَ بِفَيضِ حُبِّكِ العَمِيقِ سَيَظَلُّ لَكِ مَرفُوعَ القَدرِ وَالمَكَانَةِ، غَالِيًا لَا يُقدَّرُ بِثَمَنٍ، وَلَنْ يُبدِلَهُ الزَّمَانُ أَبَدًا.

​إِذَا مَا بَدَأَت شَمسُ النَّهَارِ فِي المَيْلِ نَحوَ الأُفُقِ، مُعلِنَةً حُلُولَ الغُرُوبِ الأَسِيفِ، وَأَرسَلَتِ نَسَمَاتُ المَسَاءِ إِشَارَاتِ الحَنِينِ إِلَى كُلِّ قَلبٍ مُتَوَلِّهٍ وَعَاشِقٍ صَادِقٍ؛ فَإِنِّي حِينَئِذٍ أَعثُرُ عَلَيكِ وَأَجِدُكِ مُستَقِرَّةً فِي أَعمَاقِ الفُؤَادِ وَسَوَادِهِ، كَأَنَّكِ مَحرَابٌ مُقَدَّسٌ وَقِبلَةٌ لِلرُّوحِ. فَكُلَّمَا اِشتَدَّ الشَّوقُ، تَوَجَّهَ إِلَيكِ طَيفِي الوَجِلُ بِخُشُوعِ المُصَلِّي، مُرَدِّدًا تَرَاِتيلَ حُبٍّ عَمِيقٍ وَوَفَاءٍ صَادِقٍ.
​فَكَمَا أَنَّهُ لَا يَكُونُ لِلنَّدَى مَقرٌّ إِلَّا عَلَى أَغصَانِ الشَّجَرِ الرَّقِيقَةِ وَأَورَاقِهَا النَّاضِرَةِ، وَكَمَا أَنَّهُ لَا يَظهَرُ لِلنَّجمِ كَيَانٌ إِلَّا بِفَضلِ ضِيَائِهِ البَارِقِ فِي عُمقِ السَّمَاءِ؛ فَكَذَلِكَ أَنتِ لِلرُّوحِ لَستِ إِلَّا سَلوَةً وَمُتَنَفَّسًا تَرْتَاحُ إِلَيهِ حَتَّى فِي أَحلامِهَا وَمَنَامِهَا. وَأَنتِ المَدَدُ وَالعَونُ الَّذِي يَمحُو الهَمَّ وَيُزِيلُ الغَمَّ، وَأَنتِ الكَفُّ الَّتِي تَتَشَبَّثُ بِهَا الرُّوحُ، فَلا تَقوَى عَلَى مُرِّ التَّفَارُقِ وَبُعدِ المَسَافَاتِ أَبَدًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى